رفاق حزب الشعب الفلسطيني

مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجوا منك أن تعرّف بنفسك وتدخل المنتدى معنا. إن لم يكن لديك حساب بعد, نتشرف بدعوتك للتسجيل

انضم إلى المنتدى ، فالأمر سريع وسهل

رفاق حزب الشعب الفلسطيني

مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجوا منك أن تعرّف بنفسك وتدخل المنتدى معنا. إن لم يكن لديك حساب بعد, نتشرف بدعوتك للتسجيل

رفاق حزب الشعب الفلسطيني

هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

منتدى حزب الشعب الفلسطيني

الـطليــــعة( نشـرة صادرة عن حزب الشعب الفلسطيني )لتتمكن من تحميل الـطليــــعة و قراءتها ,,,,,, بالدخول على موقع حزب الشعب الفلسطيني www.ppp.ps
" الى الامــام " نشرة صادرة عن حزب الشعب الفلسطيني - قطاع غزة , لتتمكن من تحميل الـطليــــعة و قراءتها ,,,,,, بالدخول على موقع شعب للإعلام والموقع الاكتروني لحزبنا المجيد

المواضيع الأخيرة

» كتلة اتحاد الطلبة التقدمية-قطاع غزة
غسان كنفاني... I_icon_minitimeالإثنين مايو 09, 2011 9:32 pm من طرف حشفاوي عنيد

» الحزب الشيوعي المصري يخرج للعلن بعد 90 عاماً من الحظر
غسان كنفاني... I_icon_minitimeالإثنين مايو 02, 2011 5:55 pm من طرف Admin

» حزب الشعب يهنىء الطبقة العاملة الفلسطينية بعيد العمال العالمي
غسان كنفاني... I_icon_minitimeالإثنين مايو 02, 2011 5:52 pm من طرف Admin

» هل يهمكم نجاح المنتدى ... إذا ادخلوا هنا وخذوا بعض الإرشادات.
غسان كنفاني... I_icon_minitimeالإثنين مايو 02, 2011 5:50 pm من طرف Admin

» حزب الشعب يهنئ الطوائف المسيحية بحلول الاعياد المجيدة
غسان كنفاني... I_icon_minitimeالأحد مايو 01, 2011 12:04 am من طرف ابو مالك

» الصالحي: كل التحية للشعب المصري ومن اجل تعزيز الارادة الشعبية الفلسطينية
غسان كنفاني... I_icon_minitimeالجمعة فبراير 04, 2011 4:01 am من طرف Admin

» حزب الشعب: الصمود السياسي واستخلاص العبر كفيل بحماية منظمة التحرير الفلسطينية
غسان كنفاني... I_icon_minitimeالإثنين يناير 31, 2011 6:22 pm من طرف Guevara

» عميره: ما نشر عني حول وثائق الجزيرة جاء مجتزءا ولم يغط جميع جوانبه
غسان كنفاني... I_icon_minitimeالإثنين يناير 31, 2011 6:20 pm من طرف Guevara

» عميره لــ " الاتحاد ":لو كان توجه "الجزيرة" حياديًا لما تم عرضه بهذه الطريقة المسيئة للشعب الفلسطيني
غسان كنفاني... I_icon_minitimeالإثنين يناير 31, 2011 6:18 pm من طرف Guevara

منتدى حزب الشعب الفلسطيني

تدفق ال RSS


Yahoo! 
MSN 
AOL 
Netvibes 
Bloglines 

2 مشترك

    غسان كنفاني...

    avatar
    صمود على عتبة وطن

    عدد الرسائل : 35
    العمر : 30
    تاريخ التسجيل : 19/11/2007

    غسان كنفاني... Empty غسان كنفاني...

    مُساهمة من طرف صمود على عتبة وطن الجمعة نوفمبر 23, 2007 2:37 am

    ما قيل عنه .... (2)



    !الوجه وحده بقى سليماً.. يبتسم

    تحرّك حفيدتي رأسها يمنة ويسرة، تحملق بحيرة في الصورة المعلقة على الجدار، ثم تجثو على ركبتيها وكفيها كأنها حمل ولد للتو، تنظر الى وجهي مرات عديدة، فأتجاهلها، تمسك يدي بكفها الصغيرة، تهزني برفق، تسألني ولا تزال عيناها معلقتين على الصورة..
     كيف يبتسم وهو ميّت؟
    شدني السؤال فنظرت بدوري الى الصورة..
    كان يبتسم حقا!
     يا ملاكي.. سألتني أمك عندما كانت بمثل سنّك، ذات السؤال، جلست مثلما تجلسين الآن، ونظرت بدهشة كما تنظرين..
    يومها تحيرت.. ماذا اقول؟ وكيف استطيع ان أحشو في رأسها الصغير إجابة معقولة؟
    أردت ان أقول كلاما كثيرا وطويلا، اتحدث فيه عن الموت.. هذا المجهول يا صغيرتي الذي لا يدركه ولا يفهمه احد، رغم انه الحقيقة الواضحة في مفهوم الحياة كلها!
    تحدثنا ليلتها عن الموت.. كانت المرة الأولى والأخيرة التي تمكن فيها غسان من الحضور الى دمشق منذ سفره الأخير الى لبنان ليشارك في تشييع امي التي توفيت في 28 أيار 1967 قبل أيام من حرب حزيران.. تحدثنا ليلتها عن الموت..
    كان جلدا وحزينا ومقهورا. لكنه تحدث عن الموت ايضا..
    قال انه القريب القريب الذي نحسبه ونحن نعيش، أبعد من التصور.. فنبتسم في كل الأوقات، نضحك أحيانا، وهو يتربص بنا على مقربة مذهلة.
    لا أحد يدرك متى يأتي الموت، ولا كيف.
    قال إنه القاهر الأكبر لغرور الإنسان.. نبتسم في لحظة نحسبها تستمر الى الأبد، في ذات اللحظة التي يسخر فيها منا.
    يا صغيرتي.. تساءلت أمك مثلما تتساءلين، ولم أجد لسؤالها جوابا.. قلت لها <<بعد ان أعياني البحث>>:
     عندما تكبرين، عندما تعيشين مختلف فصول الحياة.. ستدركين!
    إنها ذات الابتسامة التي تعوّد ان يرسمها في مناسبات هامة ومفصلية.
    رأيتها واضحة على أطراف شفتيه وعينيه المسدلتين على صورة حلم ساخر، يوم استشهد وتناثرت أعضاؤه بين أنقاض كثيرة في مساحة جبل وواد..
    ذراع واحدة ونصف صدر وبلا أرجل.. وأصابع تتعلق على أغصان الاشجار الكثيفة.. الوجه وحده بقي سليما، يبتسم مثل هذه الابتسامة...
    كما عاد يحمل على وجهه ذات الابتسامة ايضا، بعد يوم اختباره الاول للانتساب الى مدرسة الكلية العلمية الوطنية في حي سوق ساروجة. قال بثقة انه يعرف من الفرنسية والانكليزية والعربية السليمة افضل مما يعرفه الاستاذ الذي اختبره، ولذلك لم يترددوا لحظة في قبوله تلميذا، سيرفع رصيد المدرسة من المتفوقين، وسجلوه <<قياسا لسنه فقط>>، في الصف السابع..
    ورغم ان والدي أنّبه في ذلك اليوم على رسم <<الابتسامة الساخرة القليلة الأدب>> كما أسماها.. إلا أنه بدا سعيدا ومطمئنا لنجاح غسان في اختبار سبر المعلومات، وقبوله لمتابعة الدراسة التي انقطع عنه اكثر من عشرة أشهر.
    قبل أسابيع قليلة من يوم استشهاده، ذهبت معه الى أحد المصورين في شارع كورنيش المزرعة في بيروت، كان بحاجة الى صور شخصية حديثة لتجديد جواز سفره.. وعندما بدأ المصور حركاته المعهودة لضبط مقاييس الجلسة ووضع الوجه والإضاءة، وما الى ذلك حسب خبرته، ابتسم غسان ذات الابتسامة الساخرة.
    لم يكن يعرف ان صورته وابتسامته الساخرة في ذلك اليوم، ستعلق على الجدران، صورة لشهيد.. يا إلهي.. اعترف الآن بأنني أنحت في صخر!..
    كأنني أحاول انتشال بوتقة من الزجاج الرقيق، محشورة بين حجارة صغيرة وصلبة وعلى عمق كبير، أمسكها من طرفها الأملس، تكاد تفلت من يدي، تعرق أصابعي، تلفحني سخونة أنفاسي، ثم شيئا فشيئا أبدأ بتحريكها صعودا، تصطدم بحجر فأتوقف أبعد الحجر والحجر الثاني والثالث..
    هي كذلك بهذه الصعوبة وأكثر! كيف استطيع إمساكها؟.. كيف اخرجها من العمق ولا تكسر او تشعر او تخدش؟..
    تبقى هي ذاتها تحمل البصمات والأنفاس والتاريخ والنبضات التي لا تلمس أبدا، لكنها تمتلئ بالإحساس والضمير، هي أمانة ترصد الحركة وتنقل اللحظة وتلامس قدر ما تستطيع البذور بعد العلامة الجلية الواضحة على الشكل وما وراءه.
    أجد نفسي في مكان موحش.. أجلس وحدي، أمسك بقدسية دفاتر صفراء، مجلدة بعناية أنيقة تحمل على غلاف الدفتر الأول رقما يبدو أبعد من التاريخ 1924 وينتهي على جلده الدفتر العاشر برقم أخير 1984 مكتوبة بخط اليد، حرفا بعد حرف، وسطرا وراء سطر، وصفحات تتجاوز خمسة آلاف.. تتحدث عن التاريخ.. يوما بيوم، ساعة بساعة...
    هي ذكريات، تختلط فيها الهموم بالآمال، الحزن بالسعادة، احلام الأنا والبحث المتواصل عن الذات، وخرائط الوطن الممزقة والمنهوبة، الشهداء بتفاصيل الأسماء والمواقع التي استقبلت اجسادهم، المعارك والمعتقلات، الأحداث السياسية الوطنية والقومية والعالمية والولادات والوفيات، الثورات والانقلابات، اخبار الزوجة وأدق تفاصيل الحياة اليومية الحميمة، وأخبار الإخوة والأقارب والأولاد.. المدارس والملابس، الأمراض واللقاحات المحصنة، الرحلات والأسفار، الخواطر، والأسرار العائلية...
    هي ذكريات ومذكرات واصل كتابتها بصبر مذهل، وصدق فطري طيلة ستين سنة والدي رحمه الله، المولود في عام 1900 والمتوفى في 1984.
    قلبت الصفحات بوجل ورفق، قرأت برهبة، وبعشق:
     أوائل شهر تموز 1936 أبعدت من يافا (مكان عمله وإقامته) الى عكا (موطنه الأول ومسقط رأسه) تحسبا من نشاطي السياسي ضد الحكومة البريطانية (خلال الفترة التي عرفت بإضراب الستة أشهر الشهيرة عام 1936).. وكنت كما ذكرت على صفحات سابقة قد أرسلت زوجتي والأولاد الى عكا.. وهكذا كانت فرصة بالنسبة لي لزيارة أهلي والعائلة. علمت أن الحكومة أعلنت نظام منع التجول ليلا في المدينة، فذهبت مع بعض الأصدقاء الى جامع الجزار لصلاة العصر واتفقنا على البقاء مع خلق كثير في المسجد حتى موعد صلاة العشاء، وقد حدث ما توقعناه!.. إذ رفضت السلطات السماح لنا بالعودة الى بيوتنا حرصا على تطبيق النظام، وعلينا قضاء الليل في الجامع..
    بدأنا بالتسبيح والتهليل والتكبير حسب عادات أهل عكا ، ثم أخرجنا العدة (الطبول والدفوف والصاجات) التي تستخدم في حلقات الذكر والمولوية، وصعد بعضنا الى مئذنة الجامع.. عندما سمع سكان المدينة التهليل وأصوات الطبول والصاجات خرجوا من بيوتهم بعفوية لاستجلاء الأمر، وهذا ما حدث ايضا عندما سمع المعتقلون في السجن القريب، راحوا يشاركون في التهليل والتكبير، وحمل صدى الليل أصواتنا الى أسماع الناس في بعض القرى المجاورة.. وساد الهرج والمرج، وسارت جموع الناس بتظاهرات حاشدة الى وسط المدينة.. ولم تعد من قدرة للسلطات البريطانية على ضبط الأحداث التي جرت بسرعة، واستطعنا باختصار اختراق نظام منع التجول.
    واستمرت الحالة على هذا المنوال حتى الساعة العاشرة من صباح اليوم التالي.. وبينما كنت في بيت عمي مع أسرتي في اليوم نفسه، حضر عدد من رجال البوليس اقتادوني بعنف الى مكتب مساعد مدير البوليس السيد حسن الكاتب الذي حقق معي، وأمر بإرسالي تحت الحراسة الى حيفا، ومنها أرسلت الى يافا دون حرس على أن أثبت وجودي هناك بنقطة بوليس المنشية ثلاث مرات يوميا.
    في 15/7/1936 قابلت الميجر هارنغتون بمحاولة لتخفيف قيود إثبات التواجد، وبعد حديث مطول بيننا، تركز حول أسباب كرهنا للإنكليز، وعدني أخيرا، على ان أراجعه شخصيا في اليوم التالي.. وبالفعل دخلت غرفته صباحا، وحييته قائلا:
     صباح الخير ميجر هارنغتون..
    بالإنكليزية طبعا. أجابني بلؤم واضح:
     قل سيدي..
    شعرت أنه يقصد إهانتي عن عمد، رفضت وخرجت من مكتبه..
    بعد ثلاثة ايام صدر أمر اعتقالي، وقبل أن أرسل مخفورا الى معتقل الصرفند.. أدخلني الميجر هارنغتون الى مكتبه وقال ان المستر كوبلاند رئيس المحكمة المركزية حدثه بأمري، وأنه على استعداد لتخفيف أمر اعتقالي إذا قلت له.. سيدي..
    لم أفعل.. ومضيت مع الجنود الى المعتقل..
    عند دخولي المعتقل، وتسجيل اسمي في قيوده الرسمية، انتشر خبر وجودي بالمعتقل بين جميع المعتقلين الذين كنت أرافع عن اكثرهم امام المحاكم الانكليزية.. فحملوني على الأكتاف، وداروا عدة دورات في الساحة يهتفون ويرددون شعارات النصر لفلسطين قبل ان أدخل معهم القاووش الجماعي الكبير المبني من الخشب، وألواح التنك.
    رأيت بين المعتقلين، الحاج سعيد المدهون والدكتور خليل أبو العافية وخليل أبو الهدى وعبد الرحمن بامية ورباح أبو خضرة وجودت حبيب وجودت بيبي وجودت الهباب وميشيل متري.. وغيرهم.
    كان يسمح لنا بالخروج لقضاء حاجاتنا الضرورية، ساعة واحدة في اليوم.
    وقد ضم المعتقل 16 (قاووشا) بين الواحد والآخر طريق يفصل بينهما، وشريط شائك إضافة للشريط الرئيسي المحيط بالمعتقل.. وأمامنا على مسافة بعيدة، قسم آخر من المعتقل، علما انه يحتجز فيه رؤساء الأحزاب وغيرهم ايضا.. عوني عبد الهادي وحسن صدقي الدجاني والاستاذ المظفر.. استطعنا ان نبتكر طريقة للاتصال مع بعضنا بواسطة التحدث عبر <<جرة>> من الفخار نكسر قعرها ونستعملها كالبوق وكانت تفي بالغرض، ونتبادل من خلالها صباحا ومساء الأخبار. وكان بيننا ايضا بعض الأحداث الصغار.
    في 13/8/1936 علمنا ان المندوب السامي البريطاني سيقوم بزيارة للمعتقل، فاتفقنا في ما بيننا على أمر وقع الاختيار عليّ لتنفيذه..
    جمعنا في الساحة الرئيسية لاستقبال (فخامته)، وفور دخوله ورؤيته لنا حاول رفع يده للتحية، وفي اللحظة نفسها رفعني بعض الرفاق على أكتافهم.

    هتفت بصوت مرتفع وجهوري:
     يسقط المندوب السامي..
    وردد الجميع ورائي يسقط ثلاث مرات.. بدت مظاهر الغضب على وجهه الأحمر، ولم يكمل رفع يده، وعاد أدراجه على الفور، وقد أوجب تصرفنا هذا حرماننا لوقت طويل من ساعة الفسحة اليومية.. بعد خروج من المعتقل مع استمرار ضرورة إثبات تواجدي أمام الميجر هارنغتون كنت أكثر حرصا وقصدا على ان لا أقول له سيدي..
    وعلى إثر ذلك أخبر حرس مكتبه الخاص برفض مقابلتي تحت اي ظرف، وأحالني إلى ضابط آخر لإثبات تواجدي عنده..
    يتابع والدي فيقول:
    في صباح يوم من أيام شهر ايلول 1938 وبينما كنا في اجتماع عادي أنا والمحامي إبراهيم نجم والمحامي أمين عقل في مكتب الأخير، نتدارس أمر ترتيبات الثورة في يافا، بعد ان تم تكليفنا من قبل اللجنة القومية، وما ان غادرنا المكتب، توجهت الى مكتبي وطلبت من الكاتب الموظف عندي <<كامل الدجاني>> وهو من قرية بيت دجن ان يغلق المكتب تمشيا مع واقع الثورة العامة في جميع أنحاء فلسطين. ثم قصدت العودة الى بيتي، وأثناء مروري بجانب دكان رستم ابو غزالة أخبرني ان البوليس ألقى القبض على زميلي أمين عقل، وأنهم في طريقهم الى مكتب ابراهيم نجم ومكتبي، وحركة الاعتقالات مسعورة وعلى قدم وساق. ركبت الباص الى بيتي، حزمت أمتعة قليلة بسرعة وركبت سيارتي وانطلقت الى عكا، وهناك طلبت من أخي زكي السفر الى يافا وإحضار زوجتي والأولاد الى عكا، وواصلت سفري الى رأس الناقورة نقطة المخفر الانكليزي، ثم نقطة المخفر الفرنسي.. وكانت سعادتي عظيمة ان أمر منع مغادرتي البلاد لم يصل بعد الى نقاط الحدود.. وصلت الى بيروت وقضيت فيها عدة ايام بزيارة الأصحاب، ثم الى دمشق، حي الميدان، للإقامة بحماية صديقي الشيخ محمد الأشمر.. <<انتهى>>.
    أقمنا بعد رحيلنا الأخير من الزبداني في حي الميدان بدمشق، الحي الذي ما زال الماضي المعتق ينضح فيه.. ينبض ويعيش بتفاصيله، صريحا بملابس الرجال، وواجهات الحوانيت.. تحت إبط الباعة الجوالين وأصحاب الدكاكين والخانات، في المساجد وأمسيات الفرح والعزاء، على أسلاك القطار الكهربائي (الترامواي) الذي ينطلق من بوابة الميدان وحتى ساحة المرجة ويحمل يوميا فايزة الى مدرسة الثانوية الأهلية التي قبلتها طالبة للاستعداد الى صف الشهادة الثانوية، وغازي المنتسب الى الصف التاسع (شهادة البروفيه) مع غسان في مدرسة الكلية العلمية الوطنية.
    تمكنت والدتي في ذلك الوقت من استعارة ماكينة خياطة يدوية من السيدة أم ابراهيم إحدى جاراتنا، والعمل عليها بخياطة القمصان لصالح أصحاب محلات بيع الألبسة في السوق بأجرة 30 قرشا عن القميص الواحد.. وقد حقق ذلك مبالغ متواضعة ساهمت بفاعلية بأجور المواصلات ومتطلبات المدارس القليلة.
    بينما انتسب مروان الى مدرسة خالد بن الوليد طالباً في الصف الخامس، وأنا في مدرسة أسامة بن زيد طالبا في الصف الثاني، وكلتا المدرستين في حي الميدان، مما يعني أننا لن نستهلك نقودا في الذهاب أو الإياب.
    أقول <<بكثير من التحفظ>> ان منهج حياتنا الجديدة بدأ يستقر على واقع الحال، فقد باشر والدي عمله في سوق الهال، اضافة الى متابعته المتواصلة لدى السلطات والمسؤولين للسماح له بممارسة المحاماة.. كما استطاع غازي بواسطة احد أعمامي العمل (بالواردية الليلة) في معمل الزجاج القريب من المدينة، اضافة إلى مواصلة دراسته النهارية، بجانب عمل أمي في الخياطة، مما حقق إيرادا منتظما ومعقولا لتأمين القدرة على مواصلة العيش.
    ورغم ذلك واعتمادا عليه فقد كان والدي يقسم الخبز بالتساوي بيننا، ويحدد حجم قطعة الجبن مثلا لواحدنا، ويفرض علينا بعد ذلك أكلها بلا زيادة ولا نقصان، وهذا الشكل من التنظيم الغذائي شمل مختلف أنواع الأطعمة، وفي كل المناسبات.. ولست أنسى كيف كانت دموع غسان <<الذي لم يكن يحب البامية على الاطلاق، رغم أشكال الإغراء>> تتساقط فوق صحن الطعام وهو مكره على أكل ما فيه بالكامل.
    كنا في ذلك الوقت نعيش مع عمتي وأسرتها الكبيرة في بيت واحد، في الوقت الذي كانت فيه أعمار أولادها متقاربة مع أعمارنا، ولك ان تتصور حجم المشكلات الممكن حدوثها رغم بساطتها وتفاهتها على الغالب إلا أنها تتراكم وتخلق عند الكبار مشاعر متفاوتة بين المهانة والاستعلاء، فهم يردون أي شيء الى واقع الفقر النسبي.
    وهذا لا يعني أن زوج عمتي أحسن حالا، كان فقيرا هو الآخر، الفارق أنه كان قادرا بكثير من اللامبالاة ان يأتي كل مساء الى بيته في عربة حنطور، وبثياب على قدر من الأناقة، على واقع كونه موظفا في مؤسسة اللاجئين ومسؤولا عن توزيع المعونات بأشكالها المختلفة على اللاجئين. كان حريصا على شكل المظاهر البراقة والتافهة كما يسميها والدي .. بينما تعاني أسرته من الضنك ما تعاني.
    تنتشلني حفيدتي من جديد، تترغل بكلمات متقطعة متلعثمة لا أفهمها، كزقزقة الحسون الذي أفلت من قفصه، وراح يصدح بفرح على غصن أقرب شجرة بلحن حر جميل.. وهو يدرك.. ربما يدرك؟.. انه ميت لا محالة بعد حين، إذ كيف يستطيع ان يتعلم العيش معتمدا على نفسه، وقد ولد في قفص وتربى فيه طيلة حياته!..
    يا صغيرتي.. أعرف أنك لا تدركين!.. كنا نتسابق نحن الأربعة أمام أبي..
    يأخذنا الى الحلاق في آخر الشارع المستقيم الضيق الذي يكاد يتسع (للترامواي) ذهابا وإيابا والعدد القليل من السيارات والكثير من عربات الحنطور وعربات النقل المختلفة التي تجرها البغال او الحمير، وزحمة الباعة.
    هذا الطريق المنتهي (ببوابة الله) وقبل ان نصل بأمتار قليلة الى صالون الحلاقة، ندخل في زقاق ضيق ونسير دورة كبيرة لنعود من الطرف البعيد الى الشارع المستقيم نفسه، وهكذا في طريق العودة دون ان نجد لذلك تفسيرا.
    كنا نعلم أننا لو نسلك استقامة الطريق، نختصر المسافة.. ورغم ذلك لم نجرؤ على مخالفة والدي وإصراره على ان ندخل الزقاق وندور دورتنا الطويلة كل مرة لنتجاوز ما لا يزيد عن عشرة أمتار ليس أكثر.
    اكتشفنا ايضا في ما بعد ان مضافة الشيخ <<محمد الأشمر>> تقوم بين مسافة الأمتار العشرة هذه.
    كان والدي يهرّب بسيارته الخاصة عن طريق لبنان بعض أنواع من السلاح والذخيرة المطلوبة والضرورية للثوار السوريين إبان كفاحهم ضد المستعمر الفرنسي ويسلمهم شخصيا للمجاهد الأشمر، ويحمل في طريق العودة من طريق لبنان ايضا أصناف سلاح اخرى للثوار الفلسطينيين.. وغالبا ما كانت ترافقه فتاة صبيّة متطوعة من الثوار لا على التعيين، ليبدو الأمر كأنه رحلة حب لعاشقين، زيادة في التمويه.
    في صباح يوم ماطر، وبينما كان والدي في السوق القريب، وأمام أحد حوانيت بيع الخضار يشتري لوازم للبيت، لفتت انتباهه حركة وجلبة، سمع أحدهم يقول:
     الشيخ!
    وقبل ان يتوارى، وجد نفسه وجها لوجه أمام الشيخ محمد الأشمر.. تعانقا طويلا، وذرفا الكثير من الدموع.. وتبادلا الكثير من الكلام، سمعت الشيخ يقول:
     حري بغيرك ان يخجل!
    في مساء ذلك اليوم، وقفت أمام بيتنا عربة طويلة يجرها حصان قوي، أفرغت حمولتها من السكر والرز والصابون والسمن والطحين واللبن وبعض الملابس، على عتبة بيتنا.. قال صاحب العربة:
     هدية من الشيخ محمد الأشمر!
    يا صغيرتي.. عندما تكبرين.. ربما تجدين جوابا.. لماذا يبتسم غسان وهو ميت؟.
    لمست شعرها الناعم، كانت نائمة كالملائكة.. وفي أفق عينيها المسدلتين شبح ابتسامة..

    اخوه عدنان كنفاني
    CًٍHًٍEًٍ 3MEED
    CًٍHًٍEًٍ 3MEED

    عدد الرسائل : 319
    العمر : 29
    تاريخ التسجيل : 18/11/2007

    غسان كنفاني... Empty رد: غسان كنفاني...

    مُساهمة من طرف CًٍHًٍEًٍ 3MEED السبت نوفمبر 24, 2007 5:56 pm

    مشكورة رفيقة على الموضوع


    ****************

    إنـــآ عـلـــآ دربــكَ لَــ ســآئــرون

    أنـآ وُلِـدْتُ رُغْـمَاً عَـنِّيْ ‘ِ‘ِ‘ِ‘ِ وَسَـأمُـوْتُ رُغْـمَاً عَـنِّيْ ‘ِ‘ِ‘ِ‘ِ لَكِـنَّـنِيْ سَـأحْيآ كَـمَآ أرِيْـدْ



    CHE

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء أكتوبر 19, 2021 8:25 pm